صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

129

أنس المسجون وراحة المحزون

قالوا « 1 » : حبست . فقلت : ليس بضائري * حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد « 333 » - وقيل : إنّ أنو شروان حبس بزرجمهر بن البختكان الحكيم - وكان وزيره - عند غضبه عليه في بيت كالقبر ظلمة وضيقا ، وصفّده بالحديد ، وألبسه الخشن من الصّوف ، وأمر أن لا يزاد كلّ يوم على قرصين خبزا شعيرا وكفّ ملح جريشا وشربة ماء ، وأن تحصى ألفاظه فتنقل إليه . فأقام بزرجمهر شهورا لا يسمع له كلمة . فقال أنوشروان : أدخلوا إليه أصحابه ومروهم أن يسألوه ، ويفاتحوه الكلام ، واسمعوا ما يجري بينهم وعرّفونيه . فدخل إليه جماعة من المختصّين به ، فقالوا : أيّها الحكيم ، نراك في هذا الضّيق والحديد والصّوف والشّدة التي دفعت إليها ، ومع هذا فإن سحنة « 2 » وجهك ، وصحّة جسمك على حالهما لم يتغيّرا ، فما السّبب في ذلك ؟ فقال : إني عملت جوارش « 3 » من ستّة أخلاط [ آخذ منه كلّ يوم شيئا ] « 4 » فهو الذي أبقاني على ما ترون . قالوا : فصفه لنا ، فعسى أن نبتلى بمثل بلواك أو أحد من إخواننا فنصفه له ، أو نستعمله . قال : الخلط الأوّل : الثّقة باللّه تعالى . الثاني : علمي بأنّ كلّ مقدور كائن . الثالث : الصّبر خير ما استعمله الممتحن . الرّابع : إن لم أصبر فأيّ شيء أعمل . الخامس : قد يمكن أن أكون في شرّ ممّا أنا فيه . السّادس : من ساعة إلى ساعة فرج .

--> ( 1 ) في الديوان ومصادر تخريج القصيدة به ( قالت ) . ( 333 ) - الفرج بعد الشدة 1 / 159 . ( 2 ) في الأصل : سحيّة . وما أثبت من الفرج بعد الشدة . ( 3 ) في الأصل جوارشا . ( 4 ) ما بين معقوفين من الفرج بعد الشدة .